ابن أبي الحديد

61

شرح نهج البلاغة

الناس كان في أمره عشيرتي ، وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه ، وما عرضته على فقد فهمته ، وهذا أمر لي نظر فيه وفكر ، وليس هذا مما يعجل إلى مثله ، وأنا كاف عنك ، وليس يأتيك من قبلي شئ تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . قال إبراهيم : فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا ، ولم يأمن أن يكون له في ذلك مخادعا مكايدا ، فكتب إليه : أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، فلم أرك تدنو فأعدك سلما ، ولم أرك تتباعد فأعدك حربا ، أراك كحبل الجرور ، وليس مثلي يصانع بالخداع ، ولا يخدع بالمكايد ، ومعه عدد الرجال وأعنه الخيل ، فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك ، وإن أنت لم تفعل ملأت مصر عليك خيلا . ورجلا والسلام . فلما قرأ قيس كتابه ، وعلم أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة ، أظهر له ما في نفسه ، فكتب إليه : من قيس بن سعد ، إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد ، فالعجب من استسقاطك رأيي ، والطمع في أن تسومني - لا أبا لغيرك - الخروج من طاعة أولى الناس بالامر ، وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلا ، وأقربهم من رسول الله وسيلة ، وتأمرني بالدخول في طاعتك وطاعة أبعد الناس من هذا الامر ، وأقولهم بالزور ، وأضلهم سبيلا ، وأدناهم من رسول الله وسيلة ، ولديك قوم ضالون مضلون ، طواغيت من طواغيت إبليس . وأما قولك إنك تملأ على مصر خيلا ورجلا ، فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك ، إنك لذو جد . والسلام . فلما أتى معاوية كتاب قيس ، أيس وثقل مكانه عليه ، وكان أن يكون مكانه غيره أحب إليه ، لما يعلم من قوته وتأبيه ( 1 ) ونجدته ، واشتداد أمره على معاوية ، فأظهر للناس أن

--> ( 1 ) ج : ( وبأسه )